الحزب المغربي الليبرالي

  • twitter
  • google plus
  • facebook
  • youtube

الليبرالية والثقافة

يعتبر الإشعاع الثقافي للشعوب، وسيلة تجلب لها الاحترام داخل منظومة الأمم المعاصرة والمتحضرة، إلا أن تعميم ونشر ثقافة مجموعة من المجموعات، أو أمة من الأمم، لا يتيسر إلا عبر نسيج متطور من العلاقات الإنسانية في أوسع المجالات.
غير أنه لا ثقافة بدون إبداع متفتح، ذلك الإبداع الذي لا ينحقق دون حرية الخلق، ناهيك عن ازدهار الفكر والمعرفة، الذي ينعدم في غياب حرية التفكير، وهي الحرية التي تتوقف بدورها على الوجود الفعلي والعملي لحرية التعبير، والنشر والتعميم.
إن تنشيط الحياة الثقافية، وبلورة موروثها المشترك، وتأمين المحافظة عليه، ونوسيع التبادل الثقافي، كلها أمور تنبني أساسا على وجود رجال ونساء ممن يتمتعون بفكر حر متسع الأفق، يمكن معه تحقيق التجديد، ونوفير أسباب الخلق، في ميادين الفنون والآداب، والعلوم، مع القدرة الواسعة على التصور، في مجال هندسة الأشغال المعمارية للحواضر، والحفاظ على المآثر، وتحسين المحيط العام للعيش.
غير أن ذلك لن يتأتى، إلا بنشر ثقافة التسامح، نلك الثقافة التي تنبني على الاعتراف للغير بخصوصيته الثقافية بما في ذلك موروثه اللغوي والحضاري والانساني، وحقه في العمل على بلورة هذا الموروث وتعميم التعريف به ونشره على أوسع نطاق، مع نبذ كل مظاهر النمييز العرقي أو العقائدي، وكافة أشكال الإقصاء والتعصب والتفرقة.
كما أن السياسة الثقافية الناجحة، هي تلك التي يتم إرساء دعائمها، على مختلف الأصعدة، سواء في المدرسة، أو الجماعات المحلية، أو في إطار الجمعيات الثقافية والفنية التابعة للمجتمع المدني.
وتأسيسا على ذلك يشكل الإطار الليبرالي- باعتباره المؤمن لحرية أي فرد- النظام الأكثر ملاءمة، لكونه يوفر أفضل شروط الحرية، الهادفة إلى تنبيه الخيال الذي قد يغفو داخل كل فكر خلاق.
غير أن الثقافة ليست ترفا فكريا، بل هي حاجة ماسة، نثبت بها لهؤلاء وأولئك، ولأنفسنا أيضا وجودنا ومطامحنا الوطنية، وانتماءنا وهويتنا الحضارية، وقدرتنا على فرض وجودنا عبر العالم.
وكلما اتسع نظام تعميم ونشر الإبداعات، كلما تمكنت حرية الخلق، من دفع عبقرية كل جهة نحو التقدم، في اتجاه التعبير عن خياراتها وخصوصياتها، وتطوير علاقاتها الإنسانية الحيوية.
إنه لا وجود لأية تراتبية أو تسلسل هرمي في النشاط الثقافي، ولا محل للتصنيفات الثنائية المنعارضة في مجال الإبداع الفني، على اعتبار أن كلا من الرقص والموسيقى والرسم والآداب، والهندسة المعمارية، والسينما والمسرح، والفرجة بوجه عام، كلها أمور متوازية في دلالتها، متساوية في بعدها القيمي والأخلاقي.